| إمام الأمة، مالك بن أنس |
|
بسم الله الرحمن الرحيم هذا عالم اتفقت الأمة على فضله وعمله وإمامته، ولهجت الألسن بالثناء عليه وذكر مناقبه. نشأ مالك بن أنس في أسرة هاجرت إلى دار الهجرة من اليمن، أسرة متوسطة الحال، تتعيش من عمل الأب ـ أنس ـ في صناعة النبال ومن تجارة الابن الأكبر في البز. وتجمع المصادر على أن الأسرة كانت متماسكة، ظفر فيها الطفل "مويلك" بجو ملطف ورعاية خاصة. وما أن دب الطفل ونما حتى وجهته أمه لتعلم القراءة وحفظ القرآن على قارئ المدينة أول السبعة القراء الإمام نافع بن عبد الرحمن. ثم وجهته وهو حدث ابن بضع عشرة سنة إلى الأخذ عن خيار أهل زمانه من أهل العلم والفضل، فأخذ عن نافع وسعيد المقبري وعامر بن الزبير وابن المنكدر والزهري وخلق يبلغون تسعمائة شيخ ممن اختارهم وارتضاهم وسكنت نفسه إليهم. وهذا العدد الكبير من الشيوخ ينبئنا أن المدينة النبوية ظلت دار علم، فهي لم تخل من عالم ينعت في زمانه بعالم المدينة، فكان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه زيد بن ثابت وعائشة، ثم ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم عبيد الله بن عمر، ثم مالك (1) ثم من قام بعده بعلمه وكان أعلم أصحابه، ومع تعاقب الأجيال ظل هذا النعت خاصا بإمام دار الهجرة. والعلم ـ كما يقول أبو حنيفة ـ كان مبثوثا بالمدينة (2)، وكان علماؤها أهل تقوى وصلاح، يقول مالك عنهم:"أدركت بهذه البلدة أقواما لو استسقي بهم المطر لسقوا" (3)، ومالك شهد له سبعون شيخا من أهل العلم والصلاح والفضل أنه أهل لذلك. ولقد كان من فضل الله على مالك أن نشأ في المدينة التي شرفت باختيار الله لها لتكون مهاجرا لرسوله، فتحولت ببركته من قرية لا تذكر بين حرار سود إلى أعظم مدينة على وجه الأرض، تحمل مصابيح النور والهداية وترفع راية العلم والحضارة، وأصبحت المركز التشريعي المتكامل، ومجتمع السنة العملية، وظل مجتمعها وثيق الصلة بسيرة الرسول وسيرة كبار أصحابه، وامتاز أهلها بإتباع السنن وعدم التساهل فيها. وقد لاحظ مالك ذلك، فاهتدى إلى مصدر من مصادر التشريع جديد هو عمل أهل المدينة، وذلك لأنها مستقر الإسلام وأهلها شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول من غيرهم، فيبعد أن يخرج الحق عنهم، ثم إن روايتهم مقدمة على رواية غيرهم، فكان عملهم حجة على غيرهم (4). وقد أيد أهل العلم هذا الاتجاه "ولم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة" (5)، "ولا ريب عند أحد أن مالكا رضي الله عنه أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه، كان له من المكانة عند أهل الإسلام، الخاص منهم والعام، ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلهام" (6)، ثم إن "من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد" (7). ومالك بن أنس جلس للناس وهو ابن سبع عشرة سنة وعرفت له الإمامة، وبالناس ـ كما يقول سفيان بن عيينة ـ حياة إذ ذاك (8). وبارك الله في عمره، ليظل إماما يروي ويفتي ويسمع قوله نحو سبعين سنة (9). ففي حياته صار إمام الأمة، وطلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالم، ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك، لما اعتقدوا فيه من تقديمه على سائر علماء وقته، ولو اعتقدوا ذلك في غيره لمالوا إليه (10). ولقد علم في حياته أنه إن قال كلمة فإنها تحمل إلى أقاصي الدنيا ليعمل بها، قال القعنبي:"دخلت على مالك فوجدته باكيا، فسألته عن ذلك، فقال:"ومن أحق بالبكاء مني لا أتكلم بكلمة إلا كتبت بالأقلام وحملت إلى الآفاق". فلقد أجمعت الأمة على إمامته، قال ابن المبارك:"لو قيل لي اختر للأمة إماما اخترت لهم مالكا" (11). وهكذا انتشر مذهبه في الآفاق و"إنا لنقر غير مجازفين أنه مذهب الحياة والإحياء، قد اختبره العلماء في عصور مختلفة فاتسع لمشاكلهم، واختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر، فكان مسعفا لهم في كل ما يحتاجون إليه من علاج، وإنا نسند ذلك إلى مجتهديه وكثرة أصوله ونوع الأصول التي أكثر منها وسيطرت على التخريج فيه" (12)، "وإن نوع الأصول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره،ومسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره، يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية وأدنى إلى مصالح الناس وما يحسون وما يشعرون، وبعبارة أخرى جامعة: أقرب إلى الفطرة الإنسانية التي يشترك فيها الناس ولا يختلفون إلا قليلا بحكم الأقاليم والمنزع والعادات الموروثة" (13). وبعد: ففي روضة من رياض الجنة جلس مالك متعلما... وفي هذه الروضة المباركة جلس مالك معلما، وفي ثرى مدينة الحبيب كان مثواه... وأكرم به من جوار... رضي الله عنه. بقلم الأستاذ إسماعيل الخطيب عضو المجلس العلمي بتطوان - نقلا عن مجلة المجلس العلمي الأعلى: ع1 رمضان 1428هـ/ اكتوبر 2007م الهوامش: 1- الذهبي: سير أعلام النبلاء 57:8. 2- القاضي عياض: ترتيب المدارك. 1: 147. 3- القاضي عياض: ترتيب المدارك. 1: 137.. 4- الآمدي، الأحكام. 1: 42 5- ابن تيمية، مجموع الفتاوى 299:20. 6- ابن تيمية، مجموع الفتاوى 320:20. 7- السابق. 8- القاضي عياض: ترتيب المدارك. 1: 140. 9- القاضي عياض: ترتيب المدارك. 1: 126... 10- القاضي عياض: ترتيب المدارك. 1: 74. 11- القاضي عياض: ترتيب المدارك. 1: 153. 12- محمد أبو زهرة: مالك ص: 451. 13- محمد أبو زهرة: مالك ص: 376. |
